محمد هادي معرفة

318

التفسير الأثري الجامع

قال تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 216 ] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 ) وبعد أن كان عمل الخير كلّه محبّبا لديه تعالى ، ولا سيّما إذا كان عن نيّة صادقة وخالصة لوجهه الكريم ، جاء دور الكلام عن القتال في سبيله تعالى ، وأنّه من أحسن القرب ، وأن لا فضيلة فوق فضيلة الجهاد والتضحية في سبيل إعلاء كلمة الإسلام . نعم إنّه إيثار بالنفس ، ويفوق الإيثار بالمال والإنفاق الّذي مرّ الكلام عنه . قال تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ إنّ القتال في سبيله تعالى فريضة شاقّة . ولكنّها فريضة فيها خير كثير يعود بعائدته على الفرد والجماعة بل على البشريّة جمعاء . حيث الإسلام دين السّلام العامّ . وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً في ظاهره وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ في واقعه وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً حسب شكليّته وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ في حقيقته وَاللَّهُ يَعْلَمُ خيركم وصلاحكم في الصميم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ . وهذا الإيحاء الّذي يحمله النصّ القرآني ، لا يقف عند حدّ القتال والتضحية بالنفس ، فالقتال ليس إلّا مثلا لما تكرهه النفوس ، في بادىء نظرها ، وهو في واقعه ومن ورائه الخير كلّه . إنّ هذا الإيحاء ينطلق في حياة المؤمن كلّها ، ويلقي ظلاله على أحداث الحياة جميعها . إنّ الإنسان لا يدري أين يكون الخير في واقعه الأصيل ، وأين يكون الشرّ في مكمنه الهزيل . لقد كان المؤمنون الّذين خرجوا يوم بدر يطلبون عير قريش وتجارتها ، ويرجون أن تكون الفئة الّتي وعد اللّه إيّاها هي فئة العير والتجارة « 1 » لا فئة الحامية المقاتلة من قريش . ولكنّ اللّه جعل القافلة تفلت ، ولقّاهم المقاتلة من قريش ! وكان النصر الّذي دوّى في الجزيرة ورفع راية الإسلام .

--> ( 1 ) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ . لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( الأنفال 8 : 7 - 8 ) .